الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
272
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ثم ارتقى في التبرّي فقال : إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ، فالجملة مستأنفة لأنّها دليل وحجّة لمضمون الجملة التي قبلها ، فكانت كالبيان فلذلك فصلت . والضمير المنصوب في قُلْتُهُ عائد إلى الكلام المتقدّم . ونصب القول للمفرد إذا كان في معنى الجملة شائع كقوله تعالى : كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [ المؤمنون : 100 ] ، فاستدلّ على انتفاء أن يقوله بأنّ اللّه يعلم أنّه لم يقله ، وذلك لأنّه يتحقّق أنّه لم يقله ، فلذلك أحال على علم اللّه تعالى . وهذا كقول العرب : يعلم اللّه أني لم أفعل ، كما قال الحارث بن عبّاد : لم أكن من جناتها علم اللّه وأني لحرّها اليوم صال ولذلك قال : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ، فجملة تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي بيان لجملة الشرط إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ فلذلك فصلت . والنفس تطلق على العقل وعلى ما به الإنسان ، إنسان وهي الروح الإنساني ، وتطلق على الذات . والمعنى هنا : تعلم ما أعتقده ، أي تعلم ما أعلمه لأنّ النفس مقرّ العلوم في المتعارف . وقوله : وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ اعتراض نشأ عن تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي لقصد الجمع بين الأمرين في الوقت الواحد وفي كلّ حال . وذلك مبالغة في التنزيه وليس له أثر في التبرّي ، والتنصّل ، فلذلك تكون الواو اعتراضية . وإضافة النفس إلى اسم الجلالة هنا بمعنى العلم الذي لم يطلع عليه غيره ، أي ولا أعلم ما تعلمه ، أي ممّا انفردت بعمله . وقد حسّنه هنا المشاكلة كما أشار إليه في « الكشاف » . وفي جواز إطلاق النفس على ذات اللّه تعالى بدون مشاكلة خلاف ؛ فمن العلماء من منع ذلك وإليه ذهب السعد والسيد وعبد الحكيم في شروح « المفتاح » و « التخليص » . وهؤلاء يجعلون ما ورد من ذلك في الكتاب نحو وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ * [ آل عمران : 28 ] من قبيل المتشابه . ومن العلماء من جوّز ذلك مثل إمام الحرمين كما نقله ابن عرفة في « التفسير » عند قوله تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ في سورة الأنعام [ 54 ] ، ويشهد له تكرّر استعماله في القرآن وكلام النبي صلى اللّه عليه وسلّم كما في الحديث القدسي فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي . وقوله : إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ علّة لقوله : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ولذلك جيء